وهبة الزحيلي
137
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَاسْتَغْفَرَ تعظيما لشأن الرسول واستغفاره وتفخيما لهما وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من اللّه بمكان . وهناك جناس مغاير في وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً . فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ استعارة ؛ لأنه استعار ما تشابك من الشجر وهو أمر محسوس إلى التنازع أو الاختلاف القائم بينهم وهو معنى معقول . المفردات اللغوية : بِإِذْنِ اللَّهِ بأمره ، لا ليعصى ، وإذن اللّه : إعلامه بالوحي . إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بتحاكمهم إلى الطاغوت وغير ذلك من ألوان الظلم جاؤُكَ تائبين فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي طلبوا مغفرته وندموا على ما فعلوا وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ أي دعا اللّه أن يغفر لهم ، فيه التفات عن الخطاب تفحيما لشأنه تَوَّاباً عليهم رَحِيماً بهم . يُحَكِّمُوكَ يجعلوك حكما ويفوضوا الأمر إليك شَجَرَ اختلط الأمر فيه واختلف حَرَجاً ضيقا أو شكا قَضَيْتَ حكمت به وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ينقادوا ويذعنوا من غير معارضة . سبب النزول : نزول الآية ( 65 ) : فَلا وَرَبِّكَ : أخرج الأئمة الستة عن عبد اللّه بن الزبير ، قال : خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرّة « 1 » ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك ، فقال الأنصاري : يا رسول اللّه أن « 2 » كان ابن عمتك ! فتلون وجهه ، ثم قال : اسق يا زبير ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ( ما رفع حول المزرعة كالجدار ) ثم أرسل الماء إلى جارك . واستوعب للزبير حقه ، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة . قال الزبير : ما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ .
--> ( 1 ) الشراج : مسايل الماء . والحرة : أرض ذات حجارة سود . ( 2 ) أي لأن . أو بمد الهمزة على جهة الإنكار « آن » .